أوبك+ بعد 2040؟

شباب اليوم  –

أنس بن فيصل الحجي

التغيرات التي يشهدها العالم الآن في مجال الطاقة والتحول الطاقي إلى مصادر أقل إصداراً لانبعاثات الكربون، والتغيرات التقنية والثورة الصناعية الرابعة، وكهربة كل شيء، والحياد الكربوني ومحاربة الوقود الأحفوري، تعني أن العالم سيكون مختلفاً خلال العقود المقبلة عما نعرفه الآن، فهل ستكون “أوبك+” أو ما ستؤول إليه مستقبلاً موجودة وقتها؟ أم أنها ستنكمش وتنتهي؟

وإذا كانت شركات النفط العالمية والوطنية تتحول من شركات نفط إلى شركات طاقة، وشركات تقنية المعلومات تتحول إلى شركات سيارات كهربائية، فهل ستتحول “أوبك+” إلى منظمة طاقة بدلاً من منظمة نفطية فقط؟

التحول من “أوبك” إلى “أوبك+”

جاء التحول من “أوبك” إلى “أوبك+” طبيعياً ليتلاءم مع متغيرات السوق، وقد فقدت “أوبك” أهميتها ودورها مع مرور الزمن لأسباب عدة، أهمها نمو الإنتاج بشكل كبير خارج دول المجموعة، ولأن “أوبك” أُسست في فترة تاريخية معينة لأداء أمور معينة، والتي منها تنفيق الريع والمشاركة في الإنتاج وتحقيق عائد عادل للبلاد المنتجة، في ظل سيطرة شركات النفط العالمية على منابع النفط، وهذه الأمور انتهت كلها الآن.

ومع أن قادة “أوبك” أدركوا منذ التسعينيات أنه لا بد من التعاون بين دول “أوبك” وخارج “أوبك” لإنقاذ أسواق النفط المنهارة، إلا أن التحول من “أوبك” إلى “أوبك+” استغرق أكثر من عقدين من الزمن، وجاء ليعكس فكرة مهمة وهي أنه وفقاً لكل البيانات والأدلة التاريخية فلا بد من إدارة أسواق النفط بسبب طبيعة صناعة النفط الخاصة، والتي تنطبق أيضاً على بعض الصناعات الاستخراجية، وهنا لا بد من التنويه بأن إدارة أسواق النفط تتم على حدودها لمنعها من التطرف، ولا يعني التحكم في أسواق النفط على نمط احتكار القلة، وقصر الصناعة على فئة معينة، ومنع دخول آخرين لها، وبعبارة أخرى لم تكن “أوبك” منظمة احتكارية أو “كارتل” كما يصفها بعضهم.

 مستقبل “أوبك+”

أغلب التوقعات تشير إلى تضاؤل دور النفط مع مرور الزمن بسبب انتشار السيارات الكهربائية من جهة، وتحسن كفاءة محركات البنزين والديزل من جهة أخرى، ومن ثم فإنه من المنطقي أن يتضاءل دور “أوبك+” معه، وهناك توقعات متطرفة ترى أن الطلب على النفط سينخفض انخفاضاً شديداً مع تبني مزيد من الدول سياسات الحياد الكربوني، وستنخفض أسعاره ومن ثم تنخفض إيرادات الدولة النفطية، لهذا فإن من الطبيعي وفقاً لهذه التطورات أن تتلاشى “أوبك+”.

إلا أنني أرى أن “أوبك+” أو أي صيغة مستقبلية لها ستبقى لعقود طويلة، وستزداد فعاليتها مع الزمن، فالطلب على النفط سيستمر بالنمو لعقود مقبلة وإن كان بمعدلات أقل، ووصلت إلى هذه النتيجة من طريقين، الأول من طريق النماذج الرياضية التي طورتها على مدى أكثر من 30 عاماً والتي أثبتت صحتها عاماً بعد عام، والتي تشير إلى أن الطلب العالمي على النفط سيستمر بالنمو ولكن بمعدلات أقل، وبمعدلات متناقصة حتى عام 2050. وتأتي هذه التوقعات على الرغم من افتراض زيادة ضخمة في عدد السيارات الكهربائية والهيدروجينية والغازية، وتحسن كفاءة محركات البنزين والديزل الباقية، والواقع أن بعض التوقعات بدأت تتحقق مع قيام بعض شركات السيارات بالتراجع عن أهدافها بالتحول إلى إنتاج سيارات كهربائية فقط بتاريخ معين، وامتناع شركات سيارات عريقة عن التحول الكامل إلى سيارات كهربائية.

والثاني من طريق استخدام نماذج الآخرين بعد تصحيحها أو تعديل فرضياتها والتي أدت إلى النتيجة نفسها: استمرار الطلب على النفط بالنمو ولكن بمعدلات متناقصة.

فإذا كان وجود “أوبك+” مربوطاً باستمرار دور النفط، فإن استمرار نمو الطلب يعني استمرار وجود “أوبك+”.

أهمية “أوبك+” ستزداد لسببين، الأول أن سياسات الحياد الكربوني في دول عدة ستجعل إنتاج النفط يتركز في دول “أوبك+”، وهذا يعني زيادة اعتماد العالم على دول “أوبك+”، والمتوقع في هذه الحال أن تزيد كفاءة إدارة المجموعة في إدارة إنتاجها، وزيادة مرونتها في التعامل مع المتغيرات في السوق، مما يعزز من دورها ومكانتها.

الثاني هو أن كمية النفط التي ستنتج في عام 2050 مهما كانت، يجب أن تأتي من نفط جديد واستثمارات جديدة، وباختصار، فإن مقابلة الطلب على النفط عام 2050 وما بعده تتطلب استثمارات تريليونية ابتداء من الآن وخلال العقود المقبلة، وهذه الاستثمارات يجب أن تحصل في دول “أوبك+”، مما يجعلها قبلة للاستثمارات العالمية ويعزز أهميتها.

التحول من النفط إلى الطاقة

كما تم الانتقال من “أوبك” إلى “أوبك+”، فإن “أوبك+” ليست بمأمن من التغير والتحول والتحور، ومع التحول الطاقي وتحول شركات النفط الوطنية من شركات نفط محلية إلى شركات طاقة عالمية، وزيادة دور الهيدروجين والأمونيا بألوانها المختلفة، (تم توصيفها بالألوان بحسب طرق إنتاجها والانبعاثات الخارجة من طريق الإنتاج، المنتج النهائي هو نفسه تماماً، إلا أن بعضه نتج من تصنيعه انبعاثات، وبعضه نتجت منه انبعاثات أقل أو لم يكن هناك أي انبعاثات)، فإنه بغض النظر عن نمو الطلب على النفط أم لا، يمكن أن تتحول “أوبك+” من النفط إلى الطاقة، بخاصة مع تزايد الربط الكهربائي عالمياً.

والواقع أنه ليس من الضروري أن تتحول إلى منظمة طاقة، ولكن تتوسع من نطاق النفط ليشمل كل منتجات النفط والغاز، بما في ذلك الهيدروجين والأمونيا.

إلا أن هناك تطورات عدة تحتم على “أوبك+” أن تتعامل معها وتتعاون فيها وتجعلها تختلف عما نراه اليوم، وكلها تتمحور حول الاقتصاد الدائري للكربون، بخاصة عمليات احتجاز الكربون وربما الإتجار به.

المثير في الأمر أنه في الوقت الذي يتوقع فيه بعضهم تضاؤل دور النفط مع مرور الزمن وتلاشي دور “أوبك +”، فإن دور المنتجات الموائمة لسياسات التغير المناخي التي ستنتجها دول “أوبك+” سيزداد مع الزمن، ومن ثم فإنها ستزيد أهمية دول “أوبك+”، وعملية احتجاز الكربون بطرقة سهلة ورخيصة ستغير العالم وستغير “أوبك+”.

المصدر: وكالات – مواقع التواصل – رصد وتحرير محرري “شباب اليوم”

Posted in آراء.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *